الرئيسية » مجتمع » “الحُݣْرة” توحد مشاعر الشباب .. و”وعي جديد” يتشكل بالمغرب

“الحُݣْرة” توحد مشاعر الشباب .. و”وعي جديد” يتشكل بالمغرب

خلال الأيام الأخيرة، وتحديدا منذ واقعة مقتل “سمّاك الحسيمة” محسن فكري، راجتْ كلمة “الحُݣْرة” على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وردّدتْها آلافُ الحناجر في المسيرات والوقفات الاحتجاجية التي شهدتْها عدد من مدن المملكة؛ فما هي “الحُݣْرة”؟ وكيف يتمثّلها المواطن المغربي؟

“الحُݣْرة” رمز للاحتقار

في مقالٍ نشره بجريدة هسبريس الإلكترونية، عقبَ الحَراك الاجتماعي الذي شهده المغربُ سنة 2012، بعنوان “المجتمع المدني والحركات الاجتماعية في العالم العربي، الأنساق المفاهيمية الجديدة: مفهوم “الحكرة”“، يعرّف الباحث في علوم الاجتماع بجامعة محمد الخامس سعيد بنيس مفردة “الحُݣْرة” على أنّها ترمز، في العربية المغربية، إلى الاحتقار والاستعلاء.

ويتجلّى ذلك من خلال عبارات دأبَ المغاربة على ترديدها، مثل “حْنا المغاربة حْكّارة”، “گْنْسْ حْـگّار”… معنى مُفردة “الحُݣْرة”، يوضح بنيس، انتقل إلى معنى “اللا مساواة الاجتماعية”، و”الظلم الاجتماعي”، وأضحى يرمز إلى الحقوق المدنية المرتبطة بالمطالب المادّية والمعنوية، مثل الحق في الصحة، والشغل، والتعليم، والمساواة.. وغيرها.

يوم الأحد 30 نونبر، أيْ يومين بعد مقتل محسن فكري سحقا على ظهر شاحنة نقل نفايات بمدينة الحسيمة، خرجَ آلاف المحتجيّن إلى الشارع في عدد من المدن المغربية، في توقيتٍ موحّد (الساعة السادسة مساء)، للاحتجاج ضدّ “الحُݣْرة”، وكانَ لافتا أنَّ نسبة مهمّة من المشاركين في المسيرات الاحتجاجية كانوا من فئة الشباب.

فهل تعني المشاركة الواسعة للشباب في هذه المسيرات الاحتجاجية تشكّل وعْي جديد لدى هذه الشريحة المجتمعية إزاء علاقتها بالشأن العام؟ يُجيب سعيد بنيس عن هذا السؤال، في تصريح لهسبريس، بالقول: “نعم هناك وعي جديد يتشكل لدى شريحة الشباب إزاء علاقتها بالشأن العام، مردُّه أساسا إلى تراجع دور آليات التنشئة التقليدية (الحزب – النقابة – الأسرة…) واضطلاع وسائل التواصل الحديثة بدور المحرك الأساسي للوعي الجمعي الشبابي في التعبئة والخوض المستمر وغير المنقطع في قضايا الشأن العام”.

ملامحُ “الوعي الجديد”

ملامحُ هذا الوعي الجديد، يوضّح أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية والتواصل بجامعة محمد الخامس بالرباط، يمكن قراءتُها من خلال مقولات الاحتجاج والحجاج والتفاعل الافتراضي المرتكزة على أشكال تواصلية عدّة، من أهمها “الهاشتاغ” على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويُضيف المتحدّث ذاته أنَّ ثقل المطالب، من قَبيل رفْع “الحُݣْرة” وتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية، والمتغيرات الاجتماعية المرتكِزة على ثنائية القيَم المادية والقيم غير المادية، والتحولات الثقافية المرتكزة على الاعتراف بالخصوصيات الثقافية واللغوية المحلية والجهوية في إذكاء سلوكات اليقظة الافتراضية، عجلت بالانتقال من نَسَق المواطنة الواقعية (citoyenneté) إلى نَسَق المواطنة الافتراضية (netoyenneté)، ليضْحى هذا النسق الأخير أهمَّ عنصر لقراءة الفعل الاحتجاجي الشبابي بالمغرب.

واعتبر بنيس أنَّ حُضور الشباب في المواقع الافتراضية ارتبط في معظمه بحقول مطلبية عدة، منها اللغوي والثقافي والهوياتي والشخصي والفردي وحقل العدالة الاجتماعية والتهميش الترابي والمحلِّي والعلاقة مع الدولة والإدارة، وحقل حقوق الإنسان.

أطياف بمرجعيّات مختلفة

المسيرات والوقفات الاحتجاجية التي أعقبتْ مقتل محسن فكري، والتي تجاوزَ نطاقُها حدود الوطن وانتقلت إلى دول أوروبية، شهدت احتجاج عدد من أفراد الجالية، كانَ لافتا فيها أنَّها لم تكُنْ مؤطّرة لا من طرف هيئات مدنية أو حزبية أو نقابية، بَلْ كانت عَفوية. وحتّى الدعوات إلى تنظيم تلك التظاهرات انطلقتْ من مواقع التواصل الاجتماعي.

يشرح بنيس هذا التفاعل بين العالمين الافتراضي والواقعي بالقول: “لأنّ مُجتمعَ الشباب الافتراضي يتكوَّن من أطياف متحركة ذات هويات ومرجعيات مختلفة، تنشط في فضاءات ذات طبيعة متنوعة، يتم تباعا إبداع أشكال مختلفة من الرقابة المواطنة عبر تعابيرَ تظهر في شكل شُحْنة ناقلة للتعبئة المواطنة تجاوزت آليات التأطير التقليدي التي تعتمدها البنيات الواقعية، مثل الأحزاب والنقابات والجامعات والمدرسة”.

ومن هذا المنطلق، يُردف المتحدث، يُعتبر إدراجُ تقنيات التواصل الافتراضي آلية أساسية لتشكل وعي جديد لدى الشباب إزاء قضايا الشأن العام الوطني، ومن ثمّ الانتقالُ من “أيديولوجيا شعبوية” مازالت تنتهجها الأحزاب والنقابات.. إلى “صورلوجيا افتراضية” (Imageologie virtuelle) تجد تجلياتها في فيسبوك وتويتر وواتساب…

“الحُگْرة” تُوَحّد الشباب

لفظة “الحُݣْرة”، كما أشار إلى ذلك بنيس في مقال “المجتمع المدني والحركات الاجتماعية في العالم العربي، الأنساق المفاهيمية الجديدة: مفهوم “الحكرة””، الذي نشره على هسبريس، أضحتْ، في ظلّ “الانتقال” الذي عرفه الحقل الاحتجاجي الشبابي في المغرب، المرتبط بالمطالب المادية والمعنوية، مثل الحق في الصحة وفي الشغل وفي التمدرس وفي اللغة وفي المساواة… الكلمةَ الموحِّدَةَ “leitmotiv” لجميع الأطياف الشبابية.

وفي وقتٍ سادتْ فيه “الُّلحْمة” بيْن المحتجّين الذين نزلوا إلى الشارع تنديدا بمقتل محسن فكري، ارتفعتْ بعضُ الأصوات الزاعمةِ أنَّ الداعين إلى الاحتجاج يرْمُونَ إشعال “نار الفتنة” في البلاد، وكانَ الردُّ على هذا الاتهام طاغيا على التجمّع الحاشد الذي عرفتْه مدينة الحسيمة مساء يوم الجمعة الماضي، إذ حرصَ المحتجّون على التأكيد أنّهم “وطنيّون” من خلال احتجاجهم السلمي، إذ جابوا شوارع المدينة حاملين الشموع.

في هذا السياق، يقول بنيس، إنَّ التحوُّلَ السياسي والمدني والسوسيوديموغرافي لشريحة الشباب، في ظل سياق العولمة، يستلزم إيلاء الأهمية لإشكالات الترابط الاجتماعي وتدبير التنوُّع الثقافي والتعددية الهوياتية والفوارق والتهميش، وذلك من أجل تطوير مجتمع شبابي منسجم ومسؤول ومتضامن يعمل على ترسيخ مبادئ ومرتكزات الطمأنينة والعدالة الاجتماعية، مثل الشعور بالانتماء والتعاطي الهوياتي (“تمغربيت”)، وإرساء مبادئ حقوق الإنسان والمشاركة في إنتاج وتفعيل صيرورة المأسسة والدسترة، لاسيما في ما يخص الجانب اللغوي والثقافي وأوضاع بعض الفئات المجتمعية المهمشة على ضوء ما جاء به دستور 2011.

ويُردف المتحدث ذاته، في حديثه لهسبيرس، بأنَّ التغيير الحاصل في التمثلات الثقافية والاجتماعية تجاه السلطة يُستحسن ربْطه بالملامح السوسيوديموغرافية والثقافية والنفسية والسياسية للشباب، في ارتباطها بالوضع السوسيو اقتصادي الذاتي وقيَم التعبير عن الذات ومشاعر الحرمان النسبي في أوساط المحتجين،

وأشار إلى أنَّ أهمية هذا التحول في التمثلات الثقافية والاجتماعية للشباب تجاه الشأن العام تكمُن في فحوى طبيعة السلوك الاحتجاجي الذي انتقل في الحالة المغربية من سلوك “حَربي” وعدائي إلى سلوك “سلمي” وحضاري، يتحدى السلطة من خلال إبداع أشكال احتجاجية ترافعية يخطط لها ويتم تحضيرها وتشاركها وإعلانها من خلال بوابة الافتراضي.

652 total views, 2 views today

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*